السيد كمال الحيدري

39

المذهب الذاتي في نظرية المعرفة

فإحداهما سبب للأخرى ، لأنّ الاتفاق « الصدفة » لا يكون دائمياً ولا أكثرياً ، ويستنتج من ذلك أن « أ » سبب ل » ب » . وهذا استدلال قياسيّ بطبيعته لأنه يسير من العامّ إلى الخاصّ ، وليس من نمط الاستدلال الاستقرائي الذي يسير من الخاصّ إلى العامّ . وإذا ثبت باستدلال قياسيّ يسير من العامّ إلى الخاصّ أن بين الحرارة وتمدّد الحديد رابطة سببية ، استطعنا أن نؤكّد أن الحديد يتمدّد كلّما تعرّض للحرارة لأنّ المسبّب يوجد كلّما وُجد سببه . وفي هذا الضوء يتّضح أنَّ الدليل الاستقرائي في المنطق الأرسطي يستبطن قياساً ، فهو في الحقيقة دليل قياسيّ يسير من العامّ إلى الخاصّ وليس دليلًا استقرائياً يسير من الخاصّ إلى العامّ . ويسمّي المنطق الأرسطي هذا الدليل الاستقرائي بما يستبطن من قياس ، تجربة ، ويعتبر التجربة أحد مصادر المعرفة أي من القضايا اليقينية في المنطق الأرسطي ، ويؤمن بقيمتها المنطقية وإمكان قيام العلم على أساسها ، خلافاً للاستقراء الناقص الذي يمثّل أحد عنصري التجربة ويعطي صغرى القياس المستبطن فيها . فالتمييز بين التجربة والاستقراء الناقص في المنطق الأرسطي يقوم على أساس أنَّ الاستقراء الناقص مجرّد تعبير عددي عن الأمثلة التي لوحظت خلال الاستقراء . وأما التجربة فهي تتألّف من ذلك الاستقراء ومن مبدأ عقليّ مسبق يتكوّن منهما معاً قياس منطقيّ كامل . وهكذا نعرف لماذا يقول المنطق الأرسطي تارة إنَّ الاستقراء الناقص لا يفيد علماً ويقول أخرى إن التجربة تفيد العلم بل تجعل المجرّبات من اليقينيات التي يقوم عليها صرح المنطق الأرسطي ، حيث إنه يريد